محمد أبو زهرة
1544
زهرة التفاسير
وقد صرح سبحانه بهلاكهم ، فقال سبحانه : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أي إذا كانوا بهذا الوصف الذي وصفوا به ، وهو الضلال المبين فلا تحسبنّهم بمفازة أي بمنجاة من العذاب ، والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله تعالى : بِمَفازَةٍ الإشارة إلى أن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم أي المؤلم ، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا ، ولذا أكد النهى بالخبر ، فقال : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي عذاب مؤلم أشد الإيلام ، أو بكل ما يتصور العقل من إيلام ، ولذلك جاءت كلمة أليم نكرة ، فذكر سبحانه عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب ، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه وأخبر ثانيا بأنهم واقعون فيه . وهنا بيان لطرق الشيطان إلى النفس . إنه يجعل الشخص يحمد كل ما يأتيه أي يصدر عنه ، ويجعل نفسه هي مقياس الخير والشر ، ويحبب إليه الثناء بغير الحق ، وذلك هو الغرور ، وهو الضلال ، وهو الضعف النفسي ، والفرح بما لم يفعل ، وإن الثناء الكاذب ضار بمن يكون موضع الثناء ، وضار بالمجتمع ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب » « 1 » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد اللّه ورسوله » « 2 » . اللهم اكفنا شر النفاق ، وامنعنا من الغرور ، وثبت قلوبنا وألسنتنا وأقلامنا على قول الحق ، إنك سميع الدعاء .
--> ( 1 ) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه : الزهد والرقائق - النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط ( 5323 ) . كما رواه الترمذي : الزهد ( 2316 ) ، وأبو داود : الأدب - كراهية التمادح ( 4170 ) ، وابن ماجة : الأدب - المدح ( 3732 ) . ( 2 ) رواه البخاري : أحاديث الأنبياء - قول الله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ( 3189 ) ، وأحمد مسند العشرة المبشرين - أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( 149 ) ، والدارمي : الرقاق - لا تطروني ( 2665 ) .